ابن الجوزي

347

زاد المسير في علم التفسير

وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شئ عليم ( 115 ) إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ( 116 ) قوله تعالى : ( وما كان الله ليضل قوما . . . ) الآية ، سبب نزولها : أنه لما نزلت آية الفرائض ، وجاء النسخ ، وقد غاب قوم وهم يعلمون بالأمر الأول مثل أمر القبلة والخمر ، ومات أقوام على ذلك ، سألوا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن ذلك ، فنزلت هذه الآية ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وقال قوم : المعنى : أنه بين أنه لم يكن ليأخذهم بالاستغفار للمشركين قبل تحريمه ، فإذا حرمه ولم يمتنعوا عنه ، فقد ضلوا . وقال ابن الأنباري : في الآية حذف واختصار ، والتأويل : حتى يتبين لهم ما يتقون ، فلا يتقونه ، فعند ذلك يستحقون الضلال ، فحذف ما حذف لبيان معناه ، كما تقول العرب : أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال ، يريدون : فتجرت فكسبت . لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم ( 117 ) قوله تعالى : ( لقد تاب الله على النبي ) قال المفسرون : تاب عليه من إذنه للمنافقين في التخلف . وقال أهل المعاني : هو مفتاح كلام ، وذلك أنه لما كان سبب توبة التائبين ذكر معهم ، كقوله [ تعالى ] : ( فأن لله خمسه وللرسول ) . قوله تعالى : ( الذين اتبعوه في ساعة العسرة ) قال الزجاج : هم الذين اتبعوه في غزوة تبوك ، والمراد بساعة العسرة : وقت العسرة ، لأن الساعة تقع على كل الزمان ، وكان في ذلك الوقت حر شديد ، والقوم في ضيقة شديدة ، كان الجمل بين جماعة يعتقبون عليه ، وكانوا في فقر ، فربما اقتسم التمرة اثنان ، وربما مص التمرة الجماعة ليشربوا عليها الماء ، وربما نحروا الإبل فشربوا من ماء كروشها من الحر . وقيل لعمر بن الخطاب : حدثنا عن ساعة العسرة ، فقال : خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد ، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستقطع ، حتى إن الرجل ليذهب يلتمس الماء ، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ، ويجعل ما بقي على كبده . فقال أبو بكر : يا رسول الله ، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا ،